أبي طالب المكي
30
علم القلوب
وعماله في أرضه ، والدعاة إلى دينه ، صحبوا الدنيا بأبدانهم ، وأرواحهم معلقة بالمحل الأعلى ، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر ، فاستلانوا ما استوعر « 1 » منه المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الغافلون ، أولئك الأقلون عددا ، الأعظمون خطرا ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة ، ثم بكى علي بن أبي طالب ، رضى اللّه عنه ، حتى علا نحيبه ، ثم قال : وا شوقاه إلى رؤيتهم ، يا ليتني رأيتهم . قال أبو طالب المكي ، رحمه اللّه : ليس هذا وصف علماء الدنيا الناطقين بالرخص « 2 » والهوى ، هذه « 3 » أوصاف علماء الآخرة ، ونعت علم الباطن وعلم القلوب « 4 » ، لا علم الألسنة المختلط بالجسد والشعب « 5 » ، فسبحان من رفع أقواما ، فجاوز بهم الحدود ، فصاروا منية المنى ، اشتاقت الجنة إلى قوم واشتاق القوم إلى هؤلاء ، فصاروا مشتاقى المشتاقين . ومثل هذا ما جاء في الخبر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « إذا أذن المؤذن ، فقال : أشهد ألا إله إلا اللّه ، اهتزت الجنة ، وأشرفت الحور العين من قصورها وغرفها ، شوقا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » . ثم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع شوق الجنة إليه ، اشتاق هو إلى طائفة من أمته يخرجون في آخر الزمان ، يتخلقون بأخلاق النبيين ، ويتمسكون بطرائق الصديقين ، فهم الغرباء بين عموم المؤمنين . فقال في حديث أبي هريرة : « وا شوقاه إلى إخواني » ، قالوا : يا رسول اللّه ، ألسنا إخوانك ؟ قال : « لا ، أنتم أصحابي ، إخواني قوم يأتون بعدكم ، يود أحدهم لو
--> ( 1 ) الوعر من الطريق الصعب المسالك . ( 2 ) الرخص في الفقه تشريع سهل يقوم مقام تشريع أصعب ، كالتيمم في البرد الشديد بدلا من الوضوء ، فالتيمم هنا رخصة ، والوضوء عزيمة ، وكالإفطار في السفر كذلك رخصة ، والصوم عزيمة . ( 3 ) في الأصل : هذا . ( 4 ) المراد بعلم الباطن وعلم القلوب ، علوم الأذواق والإلهام ، الناتجة عن أحوال العبادات ، وقد نشأت معارك بين علماء الشريعة وعلماء التصوف في هذا الباب ، والقول الفصل في ذلك ، أن ذوق طعم العسل غير العلم به عن الغير ، وتجربة الإحراق بالنار وذوقها غير العلم بها عن الغير ، فلو علم علماء الشريعة وذاقوا ما ذاقوا الصوفية ، لما اختلفوا معهم في شئ . راجع مقدمة شرح الفصوص للإمام النابلسي . ( 5 ) في الأصل : الشعوب .